يعدّ مكتب التحقيق التقني حول حوادث الطيران المدني وعوارضه الهيئة الوطنية المسؤولة عن إجراء التحقيقات التقنية المتعلقة بحوادث الطيران المدني التي تقع على الأراضي المغربية أو التي تشمل طائرات مغربية خارج التراب الوطني. أنشئ المكتب في عام 2008 تطبيقًا لأحكام اتفاقية شيكاغو، التي يُعدّ المغرب طرفًا متعاقدًا فيها، ولا سيما تلك الواردة في الملحق 13 بشأن إجراء التحقيقات التقنية في حوادث الطيران المدني والمستندات ذات الصلة.
في هذا السياق، ينص القانون رقم 40.13 الصادر في 16 يونيو 2016، المتعلق بمدونة الطيران المدني، في مادته 243، على إحداث هيئة دائمة ومستقلة عن سلطة الطيران المدني، تتولى إجراء التحقيقات التقنية في حوادث الطيران المدني. وتفعيلاً لهذا المبدأ المتمثل في الاستقلالية، تم وضع المكتب تحت وصاية الكتابة العامة لوزارة النقل واللوجستيك بموجب القرار الوزاري رقم 3653.21 الصادر في 30 ديسمبر 2021.
يتمثل الهدف الأساسي للمكتب في تحسين مستوى سلامة الطيران المدني، من خلال إجراء تحقيقات تقنية مستقلة ودقيقة في الحوادث والعوارض، وتحديد الأسباب التقنية بدقة، وتقديم توصيات سلامة مناسبة. يساهم المكتب بذلك في الوقاية من الحوادث المستقبلية، ويلعب دورًا محوريًا في التحسين المستمر لسلامة الطيران، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، من خلال شفافية تقاريره وتعاونه مع السلطات المختصة الوطنية والدولية.
تتولى فرق متخصصة في حوادث الطيران مهامًا متعددة تبدأ بتأمين موقع الحادث واسترجاع الحطام، مرورًا بتحليل مسجلات بيانات الرحلة (FDR وCVR)، وصولًا إلى فحص الأعطال الميكانيكية، ودراسة أنظمة الطيران الإلكترونية، وفحص سلوكيات الطاقم والممارسات التنظيمية.
عند انتهاء كل تحقيق، يتم نشر تقرير نهائي وفقًا لمعايير منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو)، يتضمن الوقائع المثبتة، والأسباب المحتملة للحادث، والعوامل المساهمة التي تم تحديدها. ويُتاح هذا التقرير للعموم بهدف تعزيز الشفافية والمساهمة في تحسين سلامة الطيران.
ُفضي نتائج هذه التحقيقات إلى إصدار المكتب توصيات سلامة، وفقًا لأحكام الملحق 13 من اتفاقية الإيكاو، تهدف إلى تفادي تكرار حوادث مماثلة. وتُوجَّه هذه التوصيات إلى الجهات المختصة، والمشغلين، والمصنعين، وعند الاقتضاء، إلى منظمة الإيكاو.
يقوم المكتب بإجراء دراسات معمقة حول مواضيع متكررة (مثل عمليات الإقلاع بعد العدول عن الهبوط، ديناميكية التفاعل داخل قمرة القيادة، الطيران على ارتفاع منخفض، وغيرها)، بهدف استخلاص توجهات عامة وتحسين الممارسات التشغيلية المعتمدة.
يُشارك المكتب في تحقيقات تتعلق بحوادث تقع خارج التراب الوطني، خصوصًا عندما يكون لها صلة بطائرات تُشغل من قبل شركات مغربية أو مسجلة بالمغرب، كما يُسهم في تبادل الخبرات مع الهيئات النظيرة على المستوى الدولي.
تُسهم تقارير المكتب وتوصياته في تغذية المنظومة الوطنية لتنظيم الطيران، من خلال دعم تطوير التشريعات، وتصميم الطائرات، وتدريب الطواقم، والإجراءات التشغيلية، وتعزيز ثقافة السلامة داخل قطاع الطيران المغربي. وبالإضافة إلى دور نظم إدارة السلامة الاستباقية والدراسات التنبؤية (الدراسات الموضوعاتية)، يُمثل المكتب المكون التفاعلي ضمن منظومة القيادة الشاملة لسلامة الطيران.
يضطلع المكتب بدور محوري في الوقاية من حوادث الطيران، من خلال تحقيقاته التقنية المستقلة والدقيقة، وشفافية تقاريره وتوصياته، وتعاونه مع الفاعلين الوطنيين والدوليين، مما يُعزز بشكل فعّال التحسين المستمر لسلامة الطيران، سواء داخل المغرب أو خارجه.